قد يكون من البديهي للرضيع او الطفل في سن صغيرة ان يتشبث بأمه ويرفض مبارحة حضنها، فهي أول من تتفتح عليها عيناه وأكثر من يغدق عليه الحنان والرعاية والاهتمام فينعم معها بالراحة والأمان.
لكن، متى يتجاوز هذا التعلق الحدود الطبيعية فيصبح سلوكاً مرضياً يتوجب البحث عن أسبابه وعلاجه؟
تتشابه تعليقات الامهات حول تعلق أبنائهن الزائد بهن. وفي هذا الاطار، تقول ن.ج إن طفلها عبد الهادي (5 سنوات) ملتصق بها ويمضي طيلة الوقت بصحبتها، لافتة الى أنها كانت تعتبر الأمر عادياً، لكن مع مرور الوقت بدأت تكتشف تصرفاته الغريبة، من رفضه اللعب مع أقرانه أو اللعب معهم لوقت قصير جداً ثم عودته مسرعاً بين الفينة والأخرى للتأكد من وجودها. وتضيف أن الوضع يزداد سوءاً عندما تضطر لتلبية دعوة او حضور مناسبة اجتماعية، حيث يرفض أن تجلس وسط المدعوين، واذا فعلت ازداد التصاقاً بها وعلامات الذعر والهلع على وجهه. مسؤولية الوالدين في الموازاة، تؤكد الأختصاصية في علم النفس والتوجيه الأسري الدكتورة فاطمة الكتاني أنه «من المفروض أن يخاف الوالدان على الطفل ويحميانه من كل ما قد يعيق صحته وسلامته النفسية»، لافتة الى «أنهما يتسببان أحياناً ومن دون وعي باضطراب السلوك لدى الابناء، فشخصية الطفل تتشكل من قبل لحظة الولادة، ثم تكتمل في السنوات الثلاث الاولى من عمره». وتضيف الدكتورة
الكتاني أن «هذه الشخصية تجدد معالمها نتيجة العلاقة مع أشخاص مهمّين وفاعلين في حياة الطفل وهما الأم والأب. لذا، ينبغي أن تكون هذه العلاقة سليمة لينشأ الطفل سليماً، ونقصد هنا علاقة الطفل بالأم وبالأب وكذلك علاقة الزوجين مع بعضهما البعض وعلاقة الأقارب المباشرة إذا وجد في محيط أوسع».
قلق الطفل 
وتشرح الدكتورة الكناني ان «أي مؤشر على ابتعاد الأم، سواء كان حقيقياً أو مفتعلاً، كأسلوب التخويف مثلاً يوجد عند الطفل ما يمكن أن نسميه أزمة. فمثلاً عندما تثور الأم وتصيح في وجه طفلها في لحظة غضب (ابتعد عني، أنت سبب كل المشاكل، اصمت وإلا سأغلق باب الغرفة عليك)... كلها عبارات مؤذية تهدد
استقرار الطفل لحساسيته المفرطة تجاه سلوك الوالدين وخاصة الأم فتضطرب مشاعره صعوداً ونزولاً بحسب تصرفاتها الملموسة، وكذلك حالتها النفسية. كما أن وعي الطفل يكون في طور التكوين، وبالتالي فهمه للأشياء والمحيط يتم بحسب هذا الوعي وبحسب اللغة التي يفهمها، فما يستقبله الطفل من إشارات، من الوالدين خصوصاً، غالباً ما يفسره سلبياً ويعتبره موجهاً إليه شخصياً حتى لو لم يكن موضوع هذا الخلاف».
الخوف يولّد التعلّق 
يتأثر الطفل بحالة وسلوك الآباء حتى في ما يتعلق بالأحداث الخارجية، فعندما يتفاعل الأب بشكل كبير مع ما يرد في نشرات الأخبار ويصدر تعليقات تدل على الغضب والتشاؤم والتهويل، وهي صفات ملازمة لمعظم الآباء في المجتمعات العربية فان الطفل يفزع ويعتبر نفسه سبب هذا الغضب. كذلك، حين تبالغ الأم في إظهارانفعالاتها تجاه وقائع معينة داخل البيت أو خارجه، لا تدرك أنها تنقل لطفلها أحاسيس الفزع وانعدام الأمان والثقة، ما يؤدي به الى ملازمته اللصيقة لها وغيرته الشديدة من الغرباء لأنها تنشغل بلقائهم وتنصرف عنه. ويلاحظ أيضاً أن معظم الأطفال الملازمين بشدة لأمهاتهم يعانون من غياب الأب نتيجة طلاق أو سفر طويل، وهنا يكون اضطراب الطفل ناجماً من تخوفه من أن ترحل أمه عنه كما فعل أبوه. وتشدد الدكتورة الكتاني على ضرورة الاستعانة بمرشد نفسي والاستعانة باختصاصي يعالج هذه المشكلة لدى الطفل من منظورها الشامل.
أساليب للحدّ من المشكلة
من المفيد استخدام أساليب جدية عند تعلق الطفل الزائد بأمه للحدّ من هذه المشكلة:
1 احتضان الطفل وتقبيله في المواقف التي يشعر فيها بالغضب او الخوف ثم التكلم معه بهدوء ولين. > أن تقول الأم لطفلها باستمرار أنها تحبه وانها لن تتركه ابداً مهما فعل، ولكن تصرفاته غير اللائقة فقط هي ما يجعلها تحسّ بالانزعاج والقلق.
2 يجب أن تحرص الأم على أن لا تبعد طفلها عنها بقسوة بل برفق مع تبرير تصرّفها بأنها منشغلة وحالما تنتهي ستجلس معه مطولاً أو تطلب منه مساعدتها لفعل أشياء بسيطة مع شكره ومدح تعاونه.
3 أن تتمالك نفسها وتحتفظ برباطة جأشها تجاه الأحداث المحيطة، ومن الأفضل أن تبدي لا مبالاتها أمام الصغير لأنه يجب أن يشاهد أمه قوية ومتماسكة.